ابن حجة الحموي

166

خزانة الأدب وغاية الأرب

لو يكون الحب وصلا كله * لم تكن غايته إلا الملل أو يكون الحب هجرا كله * لم تكن غايته إلا الأجل إنما الوصل كمثل الماء لا * يستطاب الماء إلا بالعلل فالبيتان الأولان قياس شرطي والثالث قياس فقهي فإنه قاس الوصل على الماء فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور منها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي فقال له ممن أنت فقال من تميم فقال أبو دلف تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا * ولو سلكت سبل الهداية ضلت فقال له التميمي نعم بتلك الهداية جئت إليك فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال ولعمري إن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب فإنه جملة واقعة بعد لو وجوابها وهذه الجملة على اصطلاحهم مقدمة شرطية متصلة يستدل بها على ما تقدم من الحكم وعلى هذه الطريقة نظمت بيت البديعية وكذلك العميان ويأتي ذلك في موضعه فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي كم بين من أقسم الله العلي به * وبين من جاء باسم الله في القسم بيت الشيخ صفي الدين الحلي ليس لنور المذهب الكلامي فيه إشراق ولكنه ملحق بالأقيسة الحملية وبيت العميان قد تقدم أنه من الأقيسة الشرطية وهو قولهم في مديح النبي لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت * كل الأنام وأروت قلب كل ظمي جملة هذا البيت هي الجملة الواقعة بعد لو وجوابها فإنهم استدلوا بها على ما تقدم من الحكم وهو أن كفه محيط بالبحر وبيان صحة ذلك أنها بلغت أن تشمل كل الأنام وتعمهم بالري وهذا دليل واضح على أنها محيطة بالبحر وقد تعين أن أقدم بيت بديعيتي هنا على بيت الشيخ عز الدين وأفرط سبحة الترتيب لوجهين أحدهما أن بيتي وبيت العميان أقرا ببهجة هذا النوع في مطلع واحد وهو القياس الشرطي والثاني أن الشيخ عز الدين لم يتمسك في المذهب الكلامي إلا بالقول الضعيف وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ومذهبي في كلامي أن بعثته * لو لم تكن ما تميزنا على الأمم دليل هذا القياس الشرطي في بعثة النبي وأن هذه الأمة تميزت بها على سائر الأمم أوضح من النهار الذي لم يحتج عند ظهوره إلى إقامة دليل وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله بمذهب من كلام الله ينسخ شرع * الأولين ببشرى من كلامهم كأن الشيخ عز الدين غفر الله له يقول عن النبي إنه بمذهب من كلام الله أي القرآن ينسخ شرع الأولين وكأنه جعل حجته القاطعة في المذهب الكلامي والله أعلم قوله ببشرى من كلامهم أي من كلام الأولين ولم أر في هذا البيت للمذهب كلاما ولا للكلام مذهبا غير ما ذكرته وفوق كل ذي علم عليم ذكر المناسبة فعلمه وافر والزهد ناسبه * وحلمه ظاهر عن كل مجترم المناسبة على ضربين مناسبة في المعاني ومناسبة في الألفاظ فالمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ وهذا النوع أعني المناسبة المعنوية كثير في الكتاب العزيز فمنه قوله تعالى أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون فانظر إلى قوله سبحانه وتعالى في صدر الآية التي هي للموعظة أولم يهد لهم ولم يقل